ساسي سالم الحاج

186

نقد الخطاب الاستشراقي

ما حلّ بقريش في بدر . وأكّد لهم أنهم يعلمون جيدا أنه رسول اللّه ولكنهم رفضوا دعوته تكبّرا ، ثم وقعت حادثة اتخذت كذريعة للهجوم عليهم وهي المتعلقة بذهاب إحدى النساء المسلمات إلى سوق بني قينقاع وتعرّضها لخدش حيائها هناك وتدخّل أحد المسلمين لحمايتها ، وإصابته من قبل اليهود بإصابات قاتلة ، وانتهاز الرسول هذه الفرصة للقضاء عليهم ومحاصرته لهم في آطامهم مدة خمسة عشر يوما ، واستسلامهم له بعد أن يئسوا من مساعدة حلفائهم الخزرج لهم . وتهيّأ القوم لتنفيذ الموت عليهم إلا أن تدخّل حليفهم ابن أبي في آخر لحظة أنقذ أرواحهم من موت محقق فغادروا المدينة إلى أذرعات بسوريا ، وهكذا استولى محمد على سلاحهم ، وتركهم يحملون بقية متاعهم « 1 » . خصّص « وات » فصلا طويلا بعنوان : « محمد واليهود » عالج فيه كيفية دخول اليهود إلى الجزيرة العربية ، واستقرارهم بيثرب ، وعلاقتهم بالأوس والخزرج ، وحالتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيام هجرة الرسول إليها ، ومحاولات الرسول التفاهم معهم ، والجدال الفكري الذي اندلع بينهما ثم كيفية تحوّله إلى صراع مادي نجم عنه إجلاؤهم عن الجزيرة العربية . ونحن لا يهمّنا في هذا الصدد إلا ذلك الصراع الذي دار بين الرسول واليهود على الصعيدين الفكري والمادي ، لأننا عالجنا بقية المواضيع في مباحث سابقة . يقول « وات » : « أدرك محمد منذ بداية رسالته ذلك التشابه الكائن بين الرسالة التي أوحي بها إليه وتعاليم اليهودية والمسيحية » « 2 » . وعنى « وات » بذلك قول ورقة للرسولة منذ بداية نزول الوحي عليه : إن ما يأتيه هو الناموس الذي أنزل على موسى . ويرى « وات » أن الرسول قد ساير اليهود في العديد من عباداتهم كالصلاة ، والتوجّه نحو بيت المقدس ، ولكنه يعلّل أن هذا التوجّه نحو الشمال لا يعني حتما أنه راجع إلى تأثير اليهود أو رغبة في تقليد اليهود ، لأن هذه العادة كما يبدو ، كانت أيضا عند المسيحيين « 3 » . ويورد « وات » العديد من الطقوس الإسلامية الأخرى المشابهة لليهود أيام هجرته الأولى كصيام يوم عاشوراء ، وبناء مسجد الرسول على هيئة كنيس

--> ( 1 ) Muir , Life of Mahomet , op . cit , pp : 132 - 138 . ( 2 ) مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 302 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 303 .